تسلق فارسنا التمثال و امتطى كتفيه و خلع رداءه و كان كما ولدته أمه إلا عما يستر عورته و صاح في الناس مناديًا فتجمعوا من حوله و أبرز السيف فبدا للعيان كنسر مستعد ليهوي على فريسته و قال بصوت زلزلهم:
"ما تهمتي أيها الناس؟ أنني منكم! لا أنكرها بل تسعدني، ما عقوبتي؟ أنني منكم! كادت تقتلني تلك العقوبة و أنتم على حالكم، و الآن فلتعفوا عني بجوعكم بغضبكم بثورتكم فأصير منكم و لكم و أذوب فيكم ، أسد منابع الدمع في عيونكم و أرسم على شفاهكم بسمة لا تغيب بسمة تخجل منها الشمس، أظنكم رأيتموني و في يدي سيفي هلا تنكروني فتلعنكم السماء فتلقون صرعى و تلفظكم الأرض و تشمئز من جيفكم كواسر السماء، قالوا لي قديمًا إنك البطل إن أوجدت السيف هاكم السيف" و ألقاه في وجوههم و هم ينظرون، "الآن أبدلني الله خيرًا من سيوف الأرض مجتمعة أنتم سيف البطل و الآن وقت السيف و لا سواه فأنتم السيف و أنتم حامليه و أنتم أدرى الناس بوجهته قولوا لي إلى أين لخلاصنا أم لصدورنا؟"
و سرت همهمة بين الناس أنه هو.. أنه السيف... هو... السيف...هـ... السـ...
و تعالى الهمس فصار موجًا لا يبقي و لا يذر فهزيمًا من الحلوق و الأجساد (الخلاص.. الخلاص... ليس سوى الخلاص).
وصلت أنباء الجمع إلى الفارس الأسود في مجلسه و قد عد للأمر عدته و جمع فرسانه و تدرعوا بالسلاح فصاروا كالمتاريس تجف أثداء الأمهات لمرآهم و أغلقوا جميع المنافذ حول الميدان و هنا انشقت الأرض عن الجنود القدامى و جمع من الثوار حاملين السلاح من كل نوع و انتشروا بين الناس يحملوهم السلاح و أمانة في أعناقهم و حانت المعركة و لم تلبث سوى القليل فالكثرة في النهاية تغلب الشجاعة و لم يكن ذلك كل ما في جعبة الساحر فقد كانت بداية استهدف منها الفارس الأسود السيف ليكمله و يقطع الطريق على أي خصم، و قد كان له ما أراد و بعد حين دخل عليه في مجلسه أحد فرسانه الذين هربوا بشق الأنفس من بين فكي المعركة يحمل له السيف و ما إن رآه حتى وثب عليه و أخرج كل من في القاعة من ذوي الكروش و الألسنة التي لا ينقطع مديحها و ظل برهة بمفرده و كأنما يهاب اللحظة الآتية و فك السوار عن رسغه و توقفت أنفاسه لحظة أن أوصل السيف بالذؤابة و انتظر و تصبب عرقًا و مر الوقت و لم يحدث شيء و نهض و شياطين السماء و الأرض تتقافز أمام عينيه، و أول ما فعله أن أطار عنق من أتى بالسيف و أمر بتجهيز الجيش بأسرع ما يكون و لبس الدروع و أعاد الذؤابة لمكانها و خرج على رأس الجيش و انطلق إلى مصيره.
حينها كان الثوار يهنئون أنفسهم على البداية الطيبة و قال فارسنا للشيخ "كان قرارًا صائبًا أن يكون السيف مزيفًا" فتبسم الشيخ و قال "ما زال أمامنا الكثير".
و قبل التقاء الفريقين قال فارسنا لجيش الفارس الأسود أنه البطل و أنهم الخاسرون طالما وقفوا في وجه شعبهم و الإيمان أقوى من الجبروت و السحر، و التقى الفريقان و التحما و صار الإيمان في كفة و الظلم في كفة ترى أيهما راجح؟
انتهت المعركة و هزم الفارس الأسود و التجىء إلى قلعته هو و شرذمة من أفّاقيه و هاج الشعب بنشوة الانتصار و انطلقوا في أثره يدفعهم فارسنا و يحثهم على المسير و هو متقلد سيفه المشتاق إلى الكمال ليس من السهولة اغتصاب الراحة من الزمن الجاري لكن أهو القدر مرة أخرى؟ و خرج من رحم ساعات العسرة في النهاية الحكم بأيدي الشعب على الظالم و عادوا لفارسنا بالذؤابة التي امتطت مجراها في السيف و التمع النور من السيف و ظل متوهجًا من توه بلا انقطاع.
"إيه رأيكم كفاية كده النهارده" قلتها و على ثغري ابتسامة حنون شوهتها أيادٍ ست و أحذية متآكلة.
قال خالد: "و ديني ما اسيبك إلا و أنت على نقالة"
و أتبعه عيد "و أنا بإذن الله أخليك علف للبهايم إذا لم تكمل"
أما محمد فقال و هو مستمر في فعصي و كأنما أراد يثبت أن مثوانا الأخير في جوف الأرض "و أنا هسيبك لأمي تخرطك و تزغط بيك الإوز".
انسللت من بينهم بعد أن تحطمت تحتهم و قلت "أليس من حقي الراحة؟" فقالوا بلسان واحد: "أكمل أو الراحة الأبدية في انتظارك".
قضى الناس أسبوعًا في الاحتفال و الاحتفاء بفارسنا و زملائه القدامى و صار الطريق لهم آمنًا للعودة لكنهم آثروا البقاء مع الناس و عاهدوا أنفسهم على أن يكونوا عونًا لهم و سندًا قدر استطاعتهم و قضى فارسنا ليلته الأخيرة مع الشيخ يسمع منه و يكلمه و في الصباح أعطوه حصانًا و قلدوه درعًا و زودوه بالطعام و على مرمى بصر يرقد الجبل الذي تصعد من قمته قلعة الفارس الأحمر، و بدأ فارسنا في المسير و عندما وصل لسفح الجبل رأى تلك الشجرة التي سمع عنها تتدلى منها رءوس من اقترب حتى و إن لم يعترض، و بعدها....
"ماذا تفعلون هنا؟" التفت كل منا للآخر في البداية ظنًّا منه أنها دعابة سمجة و لكن أتى الرد من السائل (بالخرزانة) تلسع أجسادنا، "قدامي يا كلب منك له، يالّلا على مكتب المدير" و بعد السلامات و الترحيب المبالغ فيه في مكتب المدير أعطوا كل منا (استدعاء ولي أمر) و ما تركونا إلا عند باب المدرسة و كانت فضيحتنا (بجلاجل).
أخذوا مني الكتاب عنوة لينتهي به المطاف على رف المكتبة في انتظار أجولة التراب و الغبار و حتى العنكبوت التي ستتراكم عليه حتى يجيء من يخرجه ثانية إلى النور، نظر كل منا إلى الآخر و ضحكنا من قلوبنا فقد كنا على ثقة بانتصار فارسنا و ما همنا الضرب في المدرسة أو ما ينتظرنا في المنزل من عقاب و توبيخ لكن ظل سؤال يدور في عقلي ما كان لون فارسنا؟!!!!
أحمد محمد هاشم










من مصر
هناك أغنية للشيخ إمام عيسى رحمه الله أرجو أن تعجبكم وللعلم فأنا أحد درواشيه الذين لا يحصون